ابن حمدون
330
التذكرة الحمدونية
وأكثر الاستخارة للَّه والاستنجاد به . واعلم أنّ من كان مطيّته الليل والنهار يسار به وإن كان لا يسير ، وأن اللَّه تعالى قد أبى إلَّا خراب الدنيا وعمارة الآخرة ، فان تزهد فيها زهدك كلَّه فلعلّ ذلك يقيك . وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، فإنك في ديوان من كان قبلك ، فأكرم نفسك عن كلّ دنيّة ، وإياك إن ساقتك إلى رغب فإنك لن تعتاض بما ابتذلت من نفسك . وإياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول : متى ما أؤخره يذهب ، فان هذا أهلك من هلك قبلك ، وأمسك عليك لسانك ، فان تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك ما فات من نطقك . واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ، فحسن التدبير مع الاقتصاد أكفى لك من الكثير مع الغناء ، والعفّة مع الحرفة خير من السرور مع الفجور . والمرء أحفظ لسرّه . وربّ ساع في ما يكره . وإياك والاتّكال على الأماني فإنها بضائع النّوكى وتثبيط عن الآخرة والأولى . ومن خير حظَّ قرين صالح ، فقارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشرّ تبن منهم . ولا يغلب عليك سوء الظنّ فإنه لا يدع بينك وبين خليل صلحا . أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب ، واعلم أن كفر النعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، ومن الكرم منع الحرم . ومن حلم ساد ، ومن تفّهم ازداد . امحض أخاك النصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة ، ولا تصرمه على ارتياب ، ولا تقطعه دون استعتاب . وليس جزاء من يسرّك أن تسوءه . الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك وان لم تأته أتاك . واعلم يا بنيّ أن ما لك من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك ، فأنفق من خيرك ، ولا تكن خازنا لغيرك . وإن جزعت على ما تفلَّت من يدك ، فاجزع على ما لم يصل إليك . وربما أخطأ البصير قصده ، وأبصر الأعمى رشده . لم يهلك امرؤ اقتصد ، ولم يفتقر من زهد . من ائتمن الزمان خانه ، ومن تعظَّم عليه أهانه . ورأس الدين اليقين ؛ وتمام